محمد متولي الشعراوي
1286
تفسير الشعراوي
وقولهم : « ربنا » نفهم منه أنه الحق المتولى التربية ، ومعنى التربية هو إيصال من تتم تربيته إلى الكمال المطلوب له ، فهناك ربّ يربى ، وهناك عبد تتم تربيته ، والربّ يعطى الإنسان ما يؤهله إلى الكمال المطلوب له . والمؤمنون يرجون اللّه قائلين : يا رب من تمام تربيتك لنا أن تحمينا من عذاب الآخرة ، فإذا ما عشنا الدنيا وانتهت فنحن نعلم أنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، وما دمت ربا ، وما دمت إلها فإنك لا تخلف الميعاد ؛ فالذي يخلف الميعاد لا يكون إلها ؛ لأن الإله ساعة الوعد يعلم بتمام قدرته وكمال علمه أنه قادر على الإنفاذ ، إنما الذي ليس لديه قدرة على الإنفاذ لا يستطيع أن يعد إلا مشمولا بشئ يستند إليه ، كقولنا نحن العباد : « إن شاء اللّه » لماذا ؟ لأن الواحد منا لا يملك أن يفي بما وعد . حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( 24 ) ( سورة الكهف ) قلنا إياك أن تقول : إني سأفعل شيئا إلا أن تشتمله وتربطه بمشيئة اللّه ؛ لأنك أنت إن وعدت ، فأنت لا تضمن عمرك ولا إنفاذ وعدك ، إنك لن تفعل شيئا إلا بإرادة اللّه ، لذلك فلا تعد إلا بالمشيئة ؛ لأنك تعد بما لا تضمن ، فأنت في حقيقة الأمر لا تملك شيئا ، فإن أردت فعل أي شئ أو الذهاب إلى أي مكان فالفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول وزمان ومكان وسبب ، ثم يحتاج إلى قدرة لتنفيذ الفعل . والإنسان لا يملك من هذه الأشياء إلا ما يشاء اللّه له أن يملكه . إن الإنسان لا يملك أن يظل فاعلا . والإنسان لا يملك إن وجد الفاعل أن يوجد المفعول . والإنسان لا يملك الزمن ، ولا يملك المكان ، بل لا يملك الإنسان أن يظل السبب قائما ليفعل ما كان